نوفمبر 9th, 2009
كتبها Rachid NINI
نشر في , غير مصنف,
,
أحيانا، يساورك سأم عميق ومفاجئ من كل شيء، خصوصا عندما ترى السياسة وقد تحولت إلى عبث، ومطالب الناس تقابل بالقمع في الشوارع، وأصواتهم يتم خنقها حتى لا يصل أنينها إلى الأسماع.
فجأة تسأم نفسك وعملك ونجاحك، تسأم سماع شكاوى الناس ومشاكلهم، تريد أن ترجع خطوات إلى الوراء، أن تعود ذلك المواطن النكرة الذي كنته ذات وقت، تتجول في الشوارع دون أن ينتبه إليك أحد، تجلس على رصيف أول مقهى تصادفه دون أن يأتي أشخاص لا تعرفهم يصافحونك ويجلسون ليقاسموك طاولتك، ويحكون لك قصص حياتهم بالتتابع.
تتمنى أن تسترجع صورتك الضائعة حيث ملامحك الطبيعية الأولى الهادئة والخالية من التوتر والغضب، أن تعود إلى أصدقائك القدامى الذين تقاسمت معهم الأقسام الباردة في الثانوية، والشعارات الصاخبة في ساحة الجامعة، وقصص الحب الفاشلة على العتبات الأولى للحياة.
فجأة، يساورك سأم جارف من جلسات النفاق الاجتماعي في فنادق الخمس نجوم التي يدعوك إليها أشخاص تافهون يعتقدون أنفسهم مهمين بالنسبة إلى العالم. تشتاق إلى جلسات المساء فوق ربوة في ضواحي مدينتك الصغيرة، تراقب أسراب الطيور وهي تعود إلى أعشاشها لتطعم صغارها. تشتاق إلى رؤية الأفق ملطخا بحمرة الغسق، والشمس المتمايلة إلى الغروب، قبل أن تعود إلى البيت لتأكل خبز الأم المدهون بالسمن وتجلس إلى حضن الجدة لتحكي لك حكاية الغولة التي تشبه الوطن، والتي من شدة الحرص على أبنائها أكلتهم.
يحدث أن تتعب من اسمك، وتتمنى أن يكون لك اسم آخر لا يثير الانتباه عندما ينادي عليك به أحدهم. تتعب من احترام الناس لك، وتشتاق أحيانا إلى أن يعاملك الناس كأي نكرة، باحترام أقل وكلمات خالية من الأدب المصطنع. تتمنى أن تعود كما كنت في السابق، أن تستيقظ في الصباح وتجمع ثيابك القليلة في حقيبة ظهرك وتأخذ القطار إلى مدينة لا تعرف فيها أحدا. مدينة تنام فيها بعد الظهر في قاعة السينما وفي الليل تنام في المحطة الطرقية، وعندما يأتي الصباح تتناول قهوتك مع عمال النظافة في المقاهي البسيطة. ولا أحد هناك ليسأل عنك في الهاتف، ولا عمل ينتظرك في مكان ما، ولا رسائل إلكترونية تنتظر إجاباتك ولا دعوات كريمة تنتظر أن تلبيها.
أحيانا يساورك سأم عميق من وطنك، وتتمنى فقط أن تشتري تذكرة ذهاب بلا إياب إلى وطن آخر، وبمجرد ما تصل وتضع حقيبتك تبحث لك عن امرأة أخرى تتزوجها وتنجب أطفالا آخرين وتصبح لك جنسية أخرى لا تثير الشبهات وجيران آخرون لا يثيرون أعصابك كل يوم برمي أعقاب سجائرهم فوق ثيابك المنشورة فوق حبل الغسيل.
تسأم من هؤلاء السياسيين البليدين جدا والأنانيين جدا والأميين أحيانا، والذين يدعون دائما تمثيلنا ويأخذون الكلمة دائما بأسمائنا في كل المناسبات. تتمنى أن تستريح من رؤية وجوههم السمينة والمملة التي قضينا حياتنا السابقة مضطرين إلى تحملها في الجرائد والتلفزيون والجامعات والمقرات الحزبية والنقابية.
تسأم من اليمين المنافق واليسار المخادع والوسط المتواطئ، وتتمنى لو أنك في جزيرة بعيدة بلا أحزاب، بلا برلمان، بلا حكومة. تعيش على السمك وحبات الجوز ومياه ا
المزيد
نوفمبر 7th, 2009
كتبها Rachid NINI
نشر في , غير مصنف,
,
عندما أنهيت قراءة التقرير الذي أنجزته لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بالبرلمان حول «ثمن الدواء في المغرب»، قلت في نفسي إن هذا هو البرلمان الذي نريده. برلمان يدافع عن حق المرضى المغاربة في العلاج بثمن في المتناول، ويفضح شراهة صناع الدواء لجمع المال على حساب صحة المواطنين الفقراء، كما يفضح عجز الحكومة عن التحكم في الأسعار المجنونة للدواء والتي يتلاعب بها محتكرو إنتاجه وتسويقه. فكما أن للحرب أثرياؤها فكذلك للمرض أثرياؤه.
لكن هل تعرف اللجنة البرلمانية أن «اللوبي» الذي تواجهه هو واحد من أقوى اللوبيات في المغرب، بل وفي العالم بأسره. وهل تستطيع وزيرة الصحة ياسمينة بادو أن تعلن الحرب على هذه الشركات التي تراكم الملايير يوميا بسبب الارتفاع الباهظ لأسعار أدويتها، دون أن تخاف من فقدان كرسيها الوزاري.
فمدير الأدوية السابق بوزارة الصحة والذي أخرجته ياسمينة بادو من الوزارة بمجرد ما جاءت إليها، هو الرئيس الحالي لجمعية منتجي الأدوية. فبمجرد ما غادر «علي صبراني» منصب مدير الأدوية بالوزارة، أسس شركة دواء وانضم إلى منتجي الأدوية بالمغرب.
ولذلك فليس من المستغرب أن يأتي أول رد «إعلامي» على تقرير لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بالبرلمان حول «ثمن الدواء في المغرب»، على صفحات جريدة تنتمي إلى جنس «صحافة فابور» اسمها AU FAIT لم تجد من عنوان آخر تضعه على مقال حول الدراسة غير «استهلاك ضعيف للدواء في المغرب». فهذه الجريدة المجانية -التي تتزاحم مع الجرائد المبيعة في موقع «لوجيدي» للتحقق من الانتشار والتي تتباهى بكونها الجريدة الأكثر سحبا في المغرب، مع أنها توزع بالمجان في الطرقات- لم تر داعيا إلى الخوض في أسعار الأدوية الباهظة التي تفرضها شركات إنتاج الدواء، بل ركزت على نقطة واحدة وهي ضعف استهلاك المغاربة للدواء. ولم يبق لها سوى أن تطالب صندوق الإيداع والتدبير، الذي يملك أسهما في الجريدة عبر فرعه «فيبور هولندينغ»، بالسعي لدى صندوق الموازنة من أجل تخصيص باب في ميزانيته لدعم مختبرات الدواء حتى لا تصاب بضاعتها بالكساد، كما صنع الصندوق مع «كوكاكولا» التي عندما تسلمت شيك الدعم كان أول شيء قامت به هو حرمان فرق كرة القدم من أموال الاحتضان التي كانت تصرفها لها في السابق.
ولعل قراءة سريعة لأسماء مسيري جريدة AU FAIT كفيل بأن يوضح لنا سبب وقوفها إلى صف صانعي الأدوية عوض الوقوف إلى صف مستهلكيها. فالمدير العام للجريدة ليس سوى إبراهيم صبراني، أما مدير النشر فليس سوى رضى صبراني، والاثنان ليسا سوى ولدي علي صبراني، الذي ليس بدوره سوى رئيس جمعية منتجي الدواء في المغرب، وصاحب شركة إنتاج للأدوية.
إذن، فعبر هذه الجريدة اليومية، التي توزع بالمجان في شوارع المملكة ويقرؤها الآلاف كل يوم، يريد ابن رئيس «جمعية منتجي الدواء بالمغرب» أن يغير مجرى النقاش، بحيث يصبح المشكل هو ضعف استهلاك المغاربة للدواء وليس الأثمان الباهظة التي تفرضها مختبرات إنتاج الأدوية على المرضى المغاربة.
يجب على اللجنة البرلمانية التي ساهمت في إنجاز هذا التقرير أن تنتظر الأسوأ من «لوبي» صناعة الأدوية. فحتما سنرى هنا وهناك هجوما ضاريا على نتائج التقرير، لأن الأمر يتعلق بتهديد لمصالح شركات كبرى استطاعت أن تخرج لأوباما، رئيس أقوى دولة في العالم، مئات الآلاف من الأمريكيين إلى الشوارع احتجاجا على برنامج إصلاح النظام الصحي الذي بشر به، ورفعت لافتات تصوره كقرد إفريقي يتسلق جدران البيت الأبيض.
هذه الشركات العالمية والمحلية لديها طرق كثيرة لجمع المال على ظهر ملايين المرضى. فهي في المغرب، مثلا، تفرض على بعض الأطباء وصف الأدوية باهظة الثمن لمرضاهم رغم توفرهم على إمكانية وصف أدوية رخيصة بخمسين مرة أحيانا. فهامش الربح في الأدوية الباهظة أكبر من هامش الربح في الأدوية الرخيصة. ومثلما يستطيع «لوبي» صناعة الأدوية اختراق الإعلام وتوظيفه لصالحه، فإنه يستطيع اختراق جمعيات المرضى وجعل أعضائها يضغطون على صندوق الضمان الاجتماعي لكي يضم أدوية بعض المختبرات إلى لائحة الأدوية التي يشملها بالتغطية. لأنه بقدر ما عوض الضمان الاجتماعي وصناديق الاحتياط دواء معينا بقدر ما يرتفع إقبال المرضى عليه، وبالتالي ترتفع عائدات الشركة التي تنتج هذا الدواء.
وبعض هذه المختبرات تذهب إلى حد تشجيع خلق جمعيات تابعة لها تضع على رأسها بعض الأساتذة الجامعيين الذين لديهم حضور إعلامي، من أجل تنظيم لقاءات طبية في فنادق الخمس نجوم.
كما أن هناك فروعا لشركات دواء عالمية تتكفل بتحمل مصاريف مؤتمرات بعض الجمعيات، كما هو الحال مع شركة «سيبراكوم» التي تشتغل لحساب «روش» السويسرية، والتي نعثر على اسمها أيضا في «جنريك» برنامج «الملف الطبي» الذي تقدمه القناة الثانية.
ومن يبحث قليلا في الحسابات المالية لشركة «روش» والتي تنشرها سنويا في الصحافة
المزيد
نوفمبر 6th, 2009
كتبها Rachid NINI
نشر في , غير مصنف,
,
تذكرت أغنية الراحل الحسين السلاوي: «حضي راسك لا يفوزو بيك القومان يا فلان»، وأنا أطالع اللوحات الإشهارية التي عممتها بعض شركات السلف في شوارع المدن بمناسبة اقتراب عيد الأضحى. فهذه الشركات تقترح إقراض المواطنين 3000 درهم يتم تسديدها على عدة أشهر بدون فوائد، أي أنك تأخذ 3000 درهم من الشركة وتعيد إليها 3000 درهم بالتقسيط المريح.
في ظاهر الأمر، يبدو المواطن هو المستفيد من هذه العملية، ويتصور أن شركات القروض تفكر في مصلحته أولا. وهنا بالضبط يوجد الفخ. فما لا تقوله بعض شركات القروض هذه لزبائنها هو أن الربح الذي تجنيه من وراء هذه العملية لا يأتي عبر الفوائد، وإنما عبر مصاريف إعداد ملف القرض.
في الدول التي لديها مؤسسات عمومية ورسمية تحمي المستهلكين، يسمى ما تقوم به هذه الشركات «الإعلان الكاذب»، وهو ممنوع قانونيا ومعاقب عليه.
في البيت، اكتشفت بالصدفة صابونا لغسل الأيدي كنت قد قرأت إشهارا حوله يقول إن الذين يستعملونه في غسل اليدين قليلا ما يمرضون، وكأن الأمر يتعلق بمضاد حيوي وليس بمجرد صابون.
وفي المغرب، نسمع ونقرأ ونرى عشرات الإعلانات الكاذبة التي تبيعنا الوهم دون أن يكون هناك تدخل للجهات المعنية بحماية المستهلكين لردع هؤلاء المحتالين.
ولعل المستفيد الأكبر من غياب قوانين تحمي المستهلكين هو البنوك بالدرجة الأولى. فبسبب التخلف الكبير الذي تعيشه البنوك المغربية، فإن نشاطها البنكي يعتمد أساسا على القروض والخدمات البنكية المرتبطة بالتحويل والصرف، وليس على الاستثمار في مجالات خارج أسوار البورصة والبنوك كما تفعل كل البنوك في العالم.
ومثلا، لكي تسحب نقودك بالبطاقة البنكية من شبابيك بنك آخر غير بنكك، فإن بنكك يقتطع من حسابك ما بين خمسة وعشرة دراهم، حسب البنك. أما إذا أردت إيداع شيك في حسابك وكان يحمل علامة بنك آخر، فعليك أن تدفع لبنكك مقابل هذه الخدمة من خمسة إلى عشرة دراهم. «جيب ليهم الفلوس وخلص عليهم من الفوق». أما إذا كنت تريد استخلاص مبلغ من حسابك بشيك يحمل علامة بنكك، وكنت في وكالة بنكية في مدينة أخرى غير مدينتك، فأنت مجبر على دفع عشرين درهما لبنكك مقابل هذه الخدمة. وإذا «زغبك الله» وطلبت من بنك شهادة فتح الحساب، فالمبلغ لا ينزل عن 100 درهم «باش يشهدو ليك».
وهناك أبناك بمجرد ما تودع فيها شيكا أو تسحب عبرها مبلغا من حسابك، يمد إليك أحد المستخدمين وثيقة كشف الحساب، دون أن تكون قد طلبتها. وهناك كثير من الزبائن يتسلمونها باسمين وفي اعتقادهم أن بنكهم حريص على إخبارهم بتطورات حساباتهم، دون أن يدروا أن ثمن تلك الخدمة يتراوح ما بين خمسة دراهم وعشرين درهما، حسب البنك.
لكن المغاربة لا يقعون ضحية الإعلانات الكاذبة فقط، بل يقعون أيضا ضحية بعض المؤسسات العمومية والخاصة التي تستغل جهل المواطنين وحسن نيتهم وعدم تدقيقهم في قراءة بنود العقود التي يوقعونها معهم.
فالقاسم المشترك بين كثير من المؤسسات والإدارات هو «حلب» المواطنين ما أمكن، وإجبارهم على دفع مبالغ مالية بدون مبرر قانوني.
لنأخذ، مثلا، إدارة البريد. عندما تذهب لإرسال حوالة بريدية قدرها عشرة آلاف درهم، فأنت مجبر على دفع ثلاثين درهما مقابل ذلك. فكل المبالغ التي تقل عن 10 آلاف درهم يؤدي عنها الزبون 30 درهما. المشكل أن هذا المبلغ يضاف إليه مبلغ آخر هو خمسة دراهم، وعندما تسأل عن السبب يقولون لك إنه ثمن المكالمة الهاتفية التي سيجرونها مع المرسل إليه والتي سيتكفل بها أحد مراكز النداء. الحقيقة أنه ليس هناك لا مركز نداء ولا هم يحزنون. وحكاية الخمسة دراهم المضافة إلى الثلاثين درهما ليست سوى اختراع تفتقت عنه عبقرية أحد المديرين الجهويين في الدار البيضاء في إطار الرفع من مداخيل وكالته البريدية. وعندما «صدقت» في الدار البيضاء، تم تعميمها على وكالات الرباط ودخلت في «الطاريفة».
وربما تبدو لكم هذه الخمسة دراهم مبلغا تافها، لكن عندما نأخذ هذا المبلغ ونضربه في حوالي مائة «مانضة» ونضرب الحاصل في 300 وكالة بريدية توجد في الدار البيضاء والرباط، فإننا سنحصل على مبلغ 360 مليونا في الشهر، أي ما يعادل تقريبا 96 مليارا و840 مليون سنتيم في السنة، تستخصلها إدارة البريد من جيوب الزبائن مقابل خدمة لا تقدمها إليهم.
وخلال حملة إعداد ملفات المغربيات العاملات في حقول التوت بإسبانيا، «ضربت يدها» مصلحة البريد في المدن المعنية بالهجرة. فقد كان وكلاء «البوسطة»، للرفع من عائدات وكالاتهم، يجبرون المرشحات على إرسال طلباتهن إلى وكالة «لانابيك» عبر إرسالٍ مضمون، كما كانوا يجبرون المرشحات للهجرة على شراء أظرفة متنبرة رغم أنهن كن يتوفرن على أظرفتهن الخاصة.
والشيء نفسه يتكرر مع الشارات الخاصة بمؤسسة محمد الخامس للتضامن، فرغم أن اقتناء هذه الشارات اختياري، فإن بعض موظفي الشبابيك، وبضغط من الإدارة، يفرضون على الزبائن شراءها. ورغم أن الأجل المحدد للبيع قد انتهت مهلته، فقد ظلت بعض الوكالات تبيع هذه الشارات.
ويبدو أن بعض مدراء الوكالات البريدية لا ينصبون الكاميرا الخفية للزبائن فقط، بل ينصبونها ح
المزيد
نوفمبر 5th, 2009
كتبها Rachid NINI
نشر في , غير مصنف,
,
سمعت كثيرا عن الدورات التكوينية التي تنظمها المؤسسات الكبرى والشركات لمستخدميها حول التدبير الإداري وطرد الضغط النفسي والتكوين المستمر. لكن هذه أول مرة أسمع، وأرى، فيها دورة تكوينية للتعود على طقوس الجنازة. حدث هذا قبل أمس في برنامج القناة الثانية الفرنسية «Complément d enquête» الذي خصص حلقته الأخيرة لصناعة الموت وتجارتها. وقد اندهشت وأنا أتابع التحقيق الذي صوره مراسل البرنامج من كوريا، حيث تعرف الدورات التكوينية حول الموت رواجا منقطع النظير بين موظفي كبريات الشركات الصناعية الكورية. والسيناريو الذي يقترحه صاحب النادي، المشرف على الدورات التكوينية حول الموت، بسيط للغاية ومخيف في الآن ذاته. وكل موظف يقبل المشاركة في هذه الدورة التكوينية، التي لا تدوم سوى بضع ساعات، عليه أن يدخل النادي حاملا صورته الشخصية وعليها اسمه ونسبه والكلمة الأخيرة التي يود أن تكتب على شاهدة قبره. بعد ذلك، يجلس المشاركون في هذه الجنازة المتخيلة إلى طاولات، ثم يشرع كل واحد منهم في كتابة وصيته. بعد ذلك، يقفون بالدور في منصة ويقرؤونها برهبة وخشوع وكأنهم يصنعون ذلك لآخر مرة. أغلبهم لا يستطيعون حبس دموعهم وهم يوصون خيرا بأبنائهم أو زوجاتهم، فيجهشون بالبكاء. بعد كتابة الوصية وقراءتها، يحين وقت لبس الكفن، وهو ثوب عبارة عن «كيمونو» يكفن به الكوريون موتاهم. فيتقدم كل واحد من المشاركين ويلبس كفنه بنفسه ويقف عند رأس التابوت الذي سيرقد داخله. وعندما يعطيهم المشرف على الدورة إشارة دخول التابوت يضطجعون داخله فيقفل عليهم غطاءه. ولكي يشعروا برهبة الموت الحقيقية، فكر المشرف على الدورة في تفاصيل جانبية بسيطة لكنها تعطي الانطباع للراقد وسط التابوت بأنه، فعلا، وضع قدميه في العالم الآخر. لذلك عندما يغلق على المتطوع غطاء التابوت يضرب زواياه الأربع بمطرقة لكي يسمع النائم وسط التابوت صوت المطرقة ويتخيل نفسه وهو يسمع المشرفين على إعداد الجنائز وهم يدقون آخر المسامير في نعشه. وبعد ذلك، يرمي المشرف على الدورة التدريبية التراب فوق لوح التابوت، فيستحضر النائم وسطه صوت حفاري القبور وهم يهيلون عليه التراب في المقبرة. وعندما ينتهي المشرف من ترتيبات الدفن، يترك المشاركين لفترة من الزمن وسط ظلمة التابوت لكي يشعروا بوحشة القبر وظلمته، فيما يعم المكانَ صمتٌ رهيبٌ يشبه صمت القبور. بعد انتهاء المدة الزمنية المسموح بها، يرفع المشرف الغطاء عن التوابيت ويطلب من موتاه الوهميين أن يخرجوا ويعودوا إلى الحياة ويصافحوا بعضهم بعضا ويشكروا الله على نعمة الحياة. كل الذين يشاركون في هذه التجربة الفريدة يخرجون مقتنعين بشيء واحد، وهو تغيير حياتهم نحو الأحسن والاستفادة مما تبقى لهم من العمر في فعل الخير والاستعداد لليوم الذي سيلبسون فيه الكفن ويدخلون التابوت وينزلون إلى جوف الأرض، ولن يكون هناك مشرف لكي يعيدهم إلى الحياة بعد نهاية العرض، لأن الأمر يتعلق بموت حقيقي هذه المرة وليس بدورة تدريبية عليه. بالنسبة إلى الشركات الكبرى الكورية التي تعرض على موظفيها هذه الدورة التكوينية حول الموت، فالهدف منها هو تشجيعهم على الانخراط في شركات التأمين على الحياة. فكتابة الوصية ولبس الكفن ودخول التابوت كلها طقوس تجعل الموظف يفكر في أبنائه وزوجته الذين سيتركهم خلفه عندما سيرحل. وهكذا وبفضل هذه الدورات التكوينية ارتفع عدد المنخرطين في شركات التأمين على الحياة بشكل كبير في كوريا. عندما انتهى البرنامج، قلت مع نفسي لو أن واحدا من أولئك الأساتذة المنتشرين في الدار البيضاء والرباط، والذين يعلمون زبائنهم في صالاتهم الرياضية كيف يتنفسون مقابل ألف درهم للحصة، فكروا في تخصيص حصة من حصصهم الرياضية لتمثيل سيناريو الموت لربحوا وربح المغرب من ورائهم الكثير. لقد كنت دائما مقتنعا بأن أصل مشاكلنا نحن المغاربة، كما هو الحال مع بقية الأمم الأخرى، هو الخوف. الخوف من فقدان قريب، الخوف من فقدان منصب شغل، الخوف من المرض، الخوف من الموت.. سلسلة لا متناهية من المخاوف والهواجس التي تنتج عنها أمراض نفسية وعضوية لا تعد ولا تحصى. والحل الوحيد للتخلص من هذه المخاوف والانتصار عليها هو مواجهتها. وأكبر وأهم مواجهة يمكن أن يعيشها الإنسان هي مواجهة الموت بالتدرب عليه. ما تقوم به هذه الشركة في كوريا مقابل عمولات شهرية سبقها إليه أحد المتصوفة المسلمين، والذي كان كلما شعر بضعف أمام ملذة من ملذات الحياة أو حنين إلى معصية، يقوم إلى قبر حفره في بيته، فينزل إلى جوفه ويمكث فيه برهة من الزمن. وبينما أضلاعه متزاحمة وسط القبر يسأل نفسه هل ما زالت متمسكة بتلك الملذة أو الشهوة التي ضعفت أمامها. فلا يغادر القبر إلا ونفسه قد عافت كل شهوة وقلبه ازداد تمسكا بالتقوى. وإذا كان
المزيد
نوفمبر 4th, 2009
كتبها Rachid NINI
نشر في , غير مصنف,
,
تخبرنا جريدة «الاتحاد الاشتراكي» بأن عمدة الرباط فتح الله والعلو وجد صعوبة كبيرة، خلال مشاركته في الندوة العالمية حول السياسة بمراكش، في ولوج قاعة غذاء المناقشة، بسبب تهافت وسائل الإعلام على سعادته قصد الظفر بتصريح منه.
قرأت هذا الخبر في القطار بين الرباط والدار البيضاء، وأنا أستعيد منظر آلاف المواطنين الذين وجدوا صعوبة بالغة ليس في الوصول إلى قاعات الغذاء كما هو حال العمدة والعلو في مراكش، وإنما في الوصول إلى مقرات عملهم لتحصيل لقمة العيش الصعبة.
وزير التجهيز والنقل يتحدث إلينا عن قطارات «التيجيفي» فائقة السرعة و«الترامواي» و«الويل لحكل»، بينما آلاف المواطنين يتمنون فقط العثور على حافلة «محرتكة» تحملهم إلى العمل.
لكن هؤلاء المواطنين التعساء وجدوا أنفسهم، بسبب أزمة النقل في عاصمة المملكة، مجبرين على ركوب «الهوندات» مثل الخرفان لقضاء أغراضهم أو للوصول إلى مقرات عملهم حتى لا يطردهم مشغلوهم أو يقتطعوا ساعات العمل الضائعة من رواتبهم.
إنه لمنظر مخزٍ ومخجل وباعث على التقزز أن نرى في عاصمة المملكة، في القرن الواحد والعشرين، موظفين ومستخدمين لازالوا يُحشرون في سيارات «هوندا» للوصول إلى إداراتهم وشركاتهم ومصانعهم.
إنها «الشوهة» التي ما بعدها «شوهة» والتي وصل إليها قطاع النقل العمومي في العاصمة في عهد عمدتها الاتحادي الجديد، الذي تتحدث جريدة حزبه عن معاناته من أجل دخول قاعة الغذاء في مراكش وتناست أن المدينة التي يديرها العمدة والعلو يوجد بها آلاف المواطنين الذين يعانون منذ أكثر من أسبوع بسبب إضراب الحافلات.
السيد العمدة، الذي بذل مجهودا جبارا وتزاحم من أجل الولوج إلى قاعة الغذاء الفخمة في مراكش، لا يعرف أن الآلاف يتزاحمون، طيلة الأيام الأخيرة في المدينة التي يتحمل مسؤولية تسييرها، من أجل الظفر بمكان صغير فوق أي «قشقاشة» لديها عجلات وتستطيع أن تسير بسرعة تفوق سرعة المشي.
وخلال هذه الأيام «الكحلة الزحلة» التي يمر منها مواطنو العاصمة وسلا وتمارة والنواحي، وقعت مغامرات لا تنسى لكثير منهم مع سائقي «الهوندات» الذين «يشارجونهم» من محطات الحافلات.
وفي غمرة هذه «الروبالا» التي يعرفها النقل، استغل بعض اللصوص الفرصة ووجدوها مناسبة «للتفيال». ومنهم سائق إحدى «الهوندات» وزميله اللذان أركبا عشرة مواطنين، نساء ورجالا، و«كسيراو» بهم ولم يتوقفا إلا في غابة في الضواحي، وهناك أنزلاهم وأشبعاهم ضربا وسرقا ممتلكاتهم تحت تهديد السيوف وتركاهم في الخلاء يبحثون عمن يوصلهم إلى بيوتهم.
آخرون ركبوا مع «خطاف» مبتدئ في «الهوندا» وعوض أن ينتهوا في مقرات عملهم انتهوا بأرجل وأكتاف مبلطة بالجبس. فقد «قلبهم» صاحب «الهوندا» في أول «فيراج» وشتت أسنانهم في الطريق. وطبعا، مثل هذه الأخبار لن تعثروا عليها في زاوية المتفرقات في أخبار وكالة الأنباء الرسمية ولا في نشرتي أخبار القناتين العموميتين، لأن «مزاودها» تنزل بعيدا عن الأعين في هوامش المدينة ولا يحس بها سوى «المخبوطون» بها من بسطاء المواطنين.
وبما أن «الهم إلى كثر يضحك»، فإنني لم أستطع تمالك نفسي وأنا أسمع قصة أحد الموظفين الشباب الذي وقف ينتظر الحافلة ساعة كاملة بلا جدوى، وفجأة وقفت «عليه» سيارة أنيقة تسوقها فتاة في مقتبل العمر «ضاربها بتعكيرة حتى للودنين». وقبل أن يرتد إليه طرفه قالت له الفتاة:
- فين بالسلامة؟
- الوزارات…
- طلع…
فلم يصدق الموظف الشاب نفسه وظن أن الحظ ابتسم له أخيرا. «شكون بحالو»، فبعد الوظيفة التي سهل عليه الله فيها هاهو «يكمل» عليه بامرأة، و«بطوموبيلتها من الفوق». فركب وانخرط معها في حديث طويل كأنهما يعرفان بعضيهما من زمان. وبما أن كل شيء في هذه البلاد متأخر، فقد تحدثا عن المطر الذي تأخر والترقية التي تأخرت وأشغال إنجاز «الترامواي» التي تأخرت، والحافلات التي أصبحت هي
المزيد
نوفمبر 3rd, 2009
كتبها Rachid NINI
نشر في , غير مصنف,
,
في ظرف شهر واحد، تابع القضاء الفرنسي وزيرين سابقين ورئيس حكومة. وفي الوقت الذي حكمت فيه المحكمة على «شارل باسكوا»، وزير الداخلية الأسبق، بالسجن سنة نافذة وسنتين موقوفتي التنفيذ، بسبب صفقة أسلحة مشبوهة مع «أنغولا»، لازال ينتظر وزير الداخلية ابن مدينة الرباط، «دومينيك دوفيلبان»، حكم المحكمة في قضية «كلير ستريم» التي يتهمه فيها الرئيس الفرنسي بوضعه اسمَه في قوائم بنك أجنبي.
أما الرئيس الفرنسي «جاك شيراك»، الذي جاء إلى فندق «الغزالة الذهبية» في تارودانت لكي يسخن عظامه ويأكل كعب الغزال بالشاي المنعنع، فقد وصله استدعاء القاضي للمثول أمام المحكمة قبل أن يضع حقائبه في الجناح المخصص له في الفندق، ففضيحة الوظائف الوهمية التي انفجرت في باريس بين 1983 و1998 لازالت تلاحقه إلى اليوم.
كل من «شارل باسكوا» و«جاك شيراك» يلعبان على أعتاب الثمانينيات، وقد تركا العمل السياسي وتفرغا لتأليف المذكرات والسفر، ومع ذلك لم ترحم العدالة كبر سنيهما.
في الجارة الشمالية إسبانيا، أرسل القاضي «غارسون» قبل أمس حفنة من السياسيين والنواب والمستشارين ورجال الأعمال إلى السجن من أجل متابعتهم في حالة اعتقال بتهمة الارتشاء واستغلال النفوذ من أجل إنجاز مشاريع عقارية.
عندما أقرأ مثل هذه الأخبار وأشاهد هؤلاء النواب والمستشارين يخرجون من بيوتهم مصفدي الأيدي، وأرى الوزراء السابقين في شاشات القنوات التلفزيونية يدخلون المحاكم لكي يجيبوا عن التهم الموجهة إليهم، أقول في نفسي هذه هي العدالة التي نريدها في المغرب. لا عدالة «الغميق» على الضعفاء وجرجرة المواطنين البسطاء أمام العدالة بسبب شيك تافه بقيمة ألف درهم أو سرقة دجاجة، بينما الكبار الذين «يهرفون» على الملايير لا يوجد قاضٍ واحد يأمر بفتح تحقيق معهم.
وفي الوقت الذي تقوم فيه العدالة الفرنسية ونظيرتها الإسبانية بمحاسبة الوزراء والنواب والمستشارين حول طرق صرفهم للمال العام أثناء تحملهم المسؤولية، نرى كيف أنه في المغرب لم تتجرأ النيابة العامة على فتح تحقيق في الأخبار الواردة من مراكش، مثلا، والتي تتحدث عن ترك المجلس البلدي السابق لديون وصلت إلى 95 مليار سنتيم، وكأن الأمر يتعلق بـ95 ريال وليس مليار. ورغم أن المجلس السابق ترك فواتير كثيرة غير مسددة، منها 11 مليار كفواتير متراكمة عن استهلاك الماء والكهرباء، و12 مليار كفواتير عن المكالمات الهاتفية (تيلي بوتيك هاذا مابقاش مجلس)، و14 مليار كديون لشركات جمع الأزبال، فإن المجلس الحالي برئاسة المنصوري فاطمة الزهراء قرر تأجيل النظر في هذه الديون إلى ما بعد، وكأن مجلس المدينة كان مسيرا من طرف الأشباح وليس من طرف عمدة اسمه عمر الجزولي، عليه أن يشرح للمراكشيين أين صرف أموال ضرائبهم.
أما في الرباط، فقد اكتشف الاتحادي فتح الله والعلو، الذي هبطت عليه عمادة الرباط كمائدة من السماء، أن صناديق مجلس المدينة فارغة. ولم يكلف أحد، في القضاء أو في أي مكان آخر، نفسَه طرحَ السؤال البسيط التالي: «فين مشاو هاذ الفلوس؟». ألم يكن هناك مجلس سابق يترأسه عمدة سابق اسمه البحراوي ألف المجلسُ الأعلى للقضاء حول مصاريفه تقريرا بحجم الوسادة..
لدينا اليوم في المغرب فضيحة عقارية أكبر من الفضيحة التي اندلعت في إسبانيا وأمر القاضي «غارسون» بإيداع المتورطين فيها السجن بغرض محاكمتهم. فوزارة الإسكان، التي يوجد على رأسها وزير ينتمي إلى حزب الوزير الأول، متورطة حتى الأذنين في فضيحة مدينة شبح اسمها «تامسنة». وهناك اليوم حوالي 3000 عائلة تنتظر شققها الموعودة منذ سنتين، ولا يوجد ما يدل على أنها ستحصل عليها قريبا.
ووزارة الإسكان غارقة حتى الأذنين في فضيحة تسريب معلومات حول مشروع عقاري بالرباط خارج إطار المنافسة الشريفة. ومع ذلك، لم نسمع أن احجيرة أقيل من منصبه لكي يقف أمام المحكمة بسبب هذه الفضائح العقارية التي انفجرت في عهده. فالمسؤول الأول عن كل ما يقع في وزارة الإسكان ليس الكاتب العام للوزارة وحده، وإنما الوزير نفسه.
وإلى اليوم، لم نسمع «حسا» للوزير احجيرة، ولم يتجرأ على إعطاء ندوة صحافية لكي يشرح للمغاربة ما يقع من فضائح في وزارته. وليس وزير الإسكان وحده من يبتلع لسانه عندما تنفجر فضيحة في وزارته وإنما وزير المالية أيضا يجيد هذه الرياضة. فقد أصدر أحد القضاة خلال العطلة الصيفية حكما في حق شركة «ليغلير المغرب»، إحدى أكبر شركات النسيج، يقضي بخضوعها للتقويم القضائي، وسلم رئيسها العراقي، الوزير والسفير الأسبق، مفاتيحها إلى المحكمة بعدما اعترف بعجزه عن تسيير دواليبها. وهكذا فجأة، أصبحت مئات الملايير التي أنفقتها الدولة على هذه الشركة من أموال دافعي الضرائب ومئات ملايير القروض التي منحتها إياها البنوك، كلها في مهب الريح. وبس
المزيد
نوفمبر 2nd, 2009
كتبها Rachid NINI
نشر في , غير مصنف,
,
نحن جيل تعود على الخسارة. كبرنا في حضن الخوف، لذلك أصبحت لدينا عندما كبرنا ملامح المهزومين.
فجأة جئنا ونزلنا ضيوفا على عائلاتنا كثيرة الأطفال. بعضنا جاء بسبب خطأ جسيم في حساب دورة والدته الشهرية، وبعضنا الآخر جاء عن سبق إصرار وترصد.
جئنا ووجدنا قبلنا إخوانا لنا وأخوات، وانتظرنا أن يتركوا لنا أحذيتهم وملابسهم التي لم تعد على مقاساتهم. انتظرنا أن يتركوا لنا دفاترهم المستعملة وسلسلة مطالعة «إقرأ» التي سنتوارثها بالدور مثل ثروات ثمينة، لكي نتركها نحن أيضا للذين سيأتون بعدنا.
فنحن أبناء الفقراء لا يترك لنا الذين سبقونا في عائلاتنا مناصب في الحكومة ولا في الدولة، بقدر ما يتركون لنا ملابسهم الضيقة ودفاترهم المستعملة، وأحيانا أمراضهم التي نتوارثها أبا عن جد.
الأمهات يحملن بنا بانتظام كل سنة، والآباء يفتلون شواربهم الصفراء بسبب المرق والتبغ الرديء. يدمنون القيلولة بعد الأكل ونشرات المذياع الرسمية السخيفة، ويقولون عندما نطلق صرخة الحياة الأولى إن كل واحد منا ينزل من بطن أمه ينزل متأبطا خبزه. ونسوا أن أغلبنا عندما نزل من بطن أمه وكبر وأصبحت له شوارب ووجد نفسه بلا عمل، تأبط مكان الخبز سيفا ونزل إلى الشارع يعترض سبيل الناس.
أرسلونا إلى الفقيه ليحفظنا سور القرآن في الصباح، وفي المساء جداول الضرب والقسمة ومحفوظة «قولوا معانا يا اللي تحبونا تحيا مدرستي أمي الحنونة». وكم قست علينا المدرسة الحنونة عندما دخلنا إلى فصولها الباردة وأوقدنا فيها شموعنا بسبب مساءاتها الماطرة التي ينزل فيها الظلام بعد العصر.
تحملنا سوط الفقيه وبرودة الحصير ورائحة الصلصال في الشتاء ونحن نحك به ألواحنا الخشبية. وفي الصيف، تحمّلنا شمس غشت اللافحة وحاربنا الملل بالسباحة في برك آسنة مشكوك في نظافتها.
عندما داهمنا الجوع في البراري الفسيحة اقتلعنا جذور النباتات ومصصنا سيقانها الحامضة، وعندما عطشنا شربنا من ماء العين ذي الطعم الغريب، تلك العين التي اكتشفنا عندما كبرنا أنها كانت مخلوطة بقنوات الوادي الحار.
تعلمنا الصلاة لنصير أطفالا صالحين، وبدأنا نذهب إلى نافورة المسجد لنتوضأ ونرش المياه ونبلل ثياب بعضنا البعض، لاعبين غير عابئين بذنوبنا الصغيرة. طردنا الإمام الملفوف في جلابيبه الكثيرة، توعدنا بأن يغطس رؤوسنا الصغيرة في حوض المياه حتى نختنق واحدا واحدا. خفنا وهربنا من المسجد. ذهبنا إلى ضريح الولي الصالح نلهو حول قبوره المصبوغة بالجير الأبيض، هناك حيث يرتاح رفات الآباء والأجداد. نأكل التمر والتين المجفف الذي تجلبه النساء وتوزعنه على الفقراء الذين يتزاحمون أمام باب المقبرة. سرقنا شمع الولي الصالح وأضأنا به أزقتنا المظلمة التي يسرق موظفو البلدية الجشعون ميزانيات مصابيحها.
نهبنا السكر الذي تضعه النساء قرب قبر الولي الصالح، وأكلناه مع الخبز. الولي الصالح سيسامحنا لأنه يعرف أننا مجرد أطفال جائعين. عندما ننتهي من ضريح الولي الصالح نمر بمقبرة النصارى حيث القبور مزينة بصور أصحابها وبورود رخامية ملونة. ما أشد اختلاف قبورهم عن قبورنا، قبور المسلمين يكبر فوقها الشوك والعليق ويسكر حولها المشردون، وقبور النصارى مغطاة بأكاليل الورود.
أدخلونا إلى المدرسة الحكومية لنتعلم النحو والقواعد ودروس التاريخ، حيث جيوش البيزنطيين والرومان والوندال الذين مروا بالمغرب وتركوا قلاعهم وحصونهم والنقود التي سكوها بأسمائهم.
بدأنا نتهجى التلاوة الفرنسية حيث ترعى عنزة السيد «سوغان» والطفل الأسود «باليماكو» الذي يتسلق النخلة الباسقة.
تلعثمنا كثيرا قبل أن ننطق حروفنا الأولى بالفرنسية، «مينا جولي مينا ميكي جولي ميكي».
تبولنا في محبرات بعضنا البعض على سبيل اللهو. حفرنا عشرات الأمتار المربعة بحثا عن جذور تلك النبتة البرية التي عندما تحكها على قفا التلميذ يتحول من طفل وديع إلى بغل هائج.
مددنا أكفنا الصغيرة والمرتجفة للعصا، وعندما عذبنا معلمونا بالضرب نزلنا إلى الحقول نبحث عن تلك النبتة السحرية التي عندما تحكها فوق راحة يدك تصبح مستعدا لتحمل عصا المعلم بلا بكاء.
ومع ذلك آلمنا كل شيء. آلمونا وهم يضربوننا بينما نحن أمام باب السينما ننتظر «الأونطراكت».
ضربونا ونحن ننتظر ربع الساعة الأخير من الشوط الثاني لندخل إلى ملعب كرة القدم لنتفرج على آخر أنفاس المباراة التي كانت دائما تخسرها «الحسنية» قبل أن تهبط إلى أسفل س
المزيد
أكتوبر 30th, 2009
كتبها Rachid NINI
نشر في , غير مصنف,
,
في الوقت الذي أوقفت فيه شركة النسيج العملاقة «ليكلير ماروك»، المتخصصة في صناعة سراويل «الجينز» والملابس النسائية الداخلية، آلاتها بمصنعها في الصخيرات وأغلقت أبوابها وسرحت حوالي خمسة آلاف عامل وعاملة، فتح في الدار البيضاء متجر تابع لسلسلة متاجر الملابس النسائية الداخلية المثيرة، والتي تحمل اسم نجمة الجنس الفرنسية السابقة «مورغان» بشراكة مع مجموعة «بومانوار». وفي الوقت الذي صدرت فيه بالصحف والمجلات سلسلة مقالات وتحقيقات حول الكارثة المالية التي تعرضت لها شركة بدر الدين السنوسي، شرعت سلسلة متاجر «مورغان» في القيام بحملة ترويجية لألبستها في المغرب تحت شعار «الإغراء» على صفحات مجموعة من المجلات النسائية الصقيلة.
ومن ضمن الأهداف التي وضعتها الشركة لزبوناتها من النساء المغربيات، من خلال الإشهار الذي عممته، مساعدتهن على جلب الأنظار إليهم في أماكن العمل، وتركيز نظرات الرجال عليهن في الاجتماعات، من أجل إثارة إعجابهم. وكأن هذه «الماركة» لم تسمع بمعاناة النساء المغربيات من التحرش في أماكن العمل.
وهكذا، ففي قطاع النسيج والألبسة النسائية «كلها وفين جاتو». هناك مستثمرون أجانب يفتحون «بوتيكات» لماركاتهم العالمية من أجل مساعدة النساء المغربيات على فتنة الرجال في أماكن العمل، وهناك مستثمرون مغاربة يعلنون إفلاسهم ويغلقون أماكن العمل ويتسببون في تشريد الآلاف من العمال والعاملات. «كاينة شي فتنة كبر من هادي».
ماذا حدث، إذن، لكي يجد صاحب أكبر شركة مغربية لصنع الألبسة نفسه مجبرا على إغلاق وحداته الإنتاجية وتسريح الآلاف من عماله في رمشة عين.
لكي نفهم أسباب هذا التسونامي المالي الذي ضرب واحدة من كبريات شركات النسيج في المغرب، يجب أن نرجع خطوات إلى الوراء لكي نستعيد خيوط حكاية ميلاد هذه الشركة التي تم تقديمها في البدء كقاطرة ستجر وراءها الاقتصاد الوطني بأكمله، إلى أن اتضح أن «تخبل» خيوط وحسابات هذه الشركة اليوم قد يكون قاطرة تجر معها قطاع النسيج بأكمله إلى الهاوية.
عندما أنهى بدر الدين السنوسي حياته الدبلوماسية كسفير في واشنطن ولندن وطهران، قرر أن يقتحم، مع ابنيه إدريس وعثمان، عالم النسيج مستغلين الفترة الذهبية للنسيج المغربي الذي استفاد من «الاتفاقية متعددة الألياف» مع أوربا. بعد سنوات من الرواج، ستبدأ مرحلة البقرات العجاف، وسيعرف قطاع النسيج بالمغرب مع دخول المنافسة الصينية والتونسية والمصرية تراجعا ملموسا.
من هنا جاءت فكرة دعوة شركة «ليكلير إيطاليا» إلى الدخول كمساهم في شركة السنوسي. وأعطى الوزير الأول حينها إدريس جطو مباركته لهذا الاستثمار الذي قدر رأسماله حينها في حدود 100 مليار سنتيم.
وبما أن السنوسي لم يكن يتوفر ولو على ربع المبلغ، فقد استدار نحو البنوك التي أقرضته حوالي 60 في المائة من رأس المال المطلوب. ولهذا نفهم أعراض الحمى التي باغتت عثمان بنجلون رئيس البنك المغربي للتجارة الخارجية عندما وصلته أصداء حكم التصفية القضائية الذي نطق به أحد قضاة الرباط والذي بموجبه أصبحت شركة السنوسي تحت يد القضاء. فبنجلون، الذي كان غارقا في نشوة الاستعداد للاحتفال بالذكرى الخمسين لتأسيس بنكه، صعق عندما سمع بالخبر. طبعا، ليس حبا في السنوسي، وإنما خوفا على الثمانية ملايير سنتيم التي أقرضها بنكه لشركة السنوسي والتي تعادل أرباح سنة كاملة بالنسبة إلى بنك كبنك بنجلون.
وبما أن المصائب لا تأتي منفردة، فقد تسبب هذا الخبر، القادم في سطرين من محكمة بالرباط والذي يضع شركة «لوكلير ماروك» تحت تصرف القضاء، في هبوط مدوٍّ لأسهم بنك بنجلون في البورصة وصل إلى حدود ناقص ستة في المائة. وهكذا، احتفل أقدم وثاني أكبر بنك في المغرب بعيد ميلاده الخمسين على وقع هذه الكارثة المالية التي وضعت كل مؤشرات البورصة في الأحمر.
شيء واحد لم ينتبه إليه الوزير الأول آنذاك إدريس جطو ووزير التجارة والصناعة صلاح الدين مزوار، وهو أن شركة «ليكلير إيطاليا»، التي جاء بها السنوسي إلى طاولة شركائه، كانت تعاني في إيطاليا من مصاعب مادية وطلبت من الحكومة الإيطالية ض
المزيد
أكتوبر 29th, 2009
كتبها Rachid NINI
نشر في , غير مصنف,
,
تخيل نفسك وأنت جالس ترتشف قهوتك على رصيف أحد المقاهي، فإذا بفتاة عمرها أربع عشرة سنة تسقط فوق مائدتك من السماء. وقبل أن تلتقط أنفاسك من هول الصدمة، تكتشف أن فتاة أخرى عمرها خمس عشرة سنة تسقط هي الأخرى فوق مائدتك.
ليس في الأمر أية مبالغة، فهذا ما حدث بالضبط في أحد مقاهي حي المحيط بالرباط. فبينما كان أحد المواطنين يشرب قهوته «ما بيه ما عليه»، سقطت فتاتان فوق طاولته بعد أن رميتا بنفسيهما من نافذة بيتهما بالطابق الثالث الواحدة تلو الأخرى. ولولا أن «باش» المقهى امتص الصدمة لكانت الفتاتان في عداد الأموات الآن، لكن الله سلم.
وطبعا، لم تلق الفتاتان بنفسيهما من النافذة لأنهما كانتا تتعلمان الطيران على طريقة «عباس بن فرناس»، ولكن، وهذا هو صلب الحكاية، لأنهما لم تجدا من طريقة أخرى للإفلات من أنياب وحش آدمي، اقتحم عليهما البيت في غياب ووالديهما وحاول اغتصابهما، سوى القفز من النافذة نحو الشارع. فقد راقب المجرم البيت جيدا منذ الصباح، وعندما اطمأن إلى أن والدي الطفلتين خرجا، صعد الدرج وطرق الباب، وبمجرد ما فتحت إحداهما الباب اقتحمه وشرع في ضربهما وركلهما لكي يخيفهما قبل الشروع في اغتصابهما. وهنا، كانت النافذة بمثابة باب الخلاص بالنسبة إلى الفتاتين، فقفزت الأولى ثم تبعتها الثانية لكي تهبطا معا فوق طاولة أخينا الذي لم يعرف «باش تبلى». ولحسن الحظ، نجت الفتاتان من الموت بفضل الله و«الباش» الذي سخره الله لإنقاذهما، فخرجتا من رحلة الطيران الإجباري هذه بكسور في الكتف والركبة.
هذه الحادثة، التي وقعت قبل أيام في شارع مدغشقر بحي المحيط بالرباط، تكشف إلى أي حد وصلت جرائم الاغتصاب في المغرب. كما تكشف أيضا أمرا في منتهى الخطورة وهو إشكالية العود. إذ أصبح كثير من المسرحين من السجون يقترفون نفس الجرائم التي دخلوا بسببها على السجن بمجرد مغادرتهم لزنازينهم. ما وقع، إذن، يطرح سؤالا حقيقيا على المؤسسة السجنية وعلى وزارة العدل بصفة عامة. فالرجل الذي اقتحم على الفتاتين في شارع مدغشقر شقتهما واعتدى عليهما بالضرب قبل أن يحاول اغتصابهما، مما دفعهما إلى القفز من الطابق الثالث، سبق له أن حوكم ثلاث مرات وقضي في حقه بالسجن لارتكابه ثلاث جرائم اغتصاب.
وإليكم سوابقه العدلية كما هي مدونة في سجله:
1998، حكم عليهم بالسجن لمدة أربعة أشهر بتهمة الاتجار في المخدرات. 2006، خمسة أشهر حبسا بتهمة محاولة الاغتصاب والمشاركة في السرقة الموصوفة. 2008 سنة وأربعة أشهر بتهمة اغتصاب قاصر بالعنف والسرقة الموصوفة والضرب والجرح. واليوم يقف صاحب هذه السوابق أمام المحكمة بتهمة احتجاز قاصرتين ومحاولة هتك العرض بالعنف والضرب والجرح والتهديد بالسلاح الأبيض والسكر العلني.
وبالإضافة إلى مشكلة العود التي يعاني منها المواطنون الأبرياء، هناك مشكلة أكبر وهي مشكلة العفو.
والناس يتساءلون من هم هؤلاء المساعدين الاجتماعيين الذين يحررون لهؤلاء السجناء التقارير التي ترفع إلى مديرية الشؤون الجنائية والعفو بوزارة العدل والتي يشهد بحسن سلوكهم وضرورة تمتيعهم بالعفو. الناس يتساءلون من هم هؤلاء المسؤولين الذيني يطلعون على مثل هذه التقارير وسمحون بتقديمها إلى الديوان الملكي من أجل التوقيع عليها.
هل يجهل هؤلاء الذين يتقدمون بمثل هذه الأسماء إلى الملك أن الفصل 34 من الدستور، الفصل الأقصر في الدستور كله والذي يقول: «الملك يمارس حق العفو»، قد حدد وظيفة العفو الملكي والغاية منه، والتي هي إما رفع قسوة قضائية زائدة عن اللزوم، أخذ حالة اجتماعية معينة بعين الاعتبار والرحمة، أو تصحيح خطأ قضائي.
إن السؤال الحقيقي الذي يجب طرحه أمام تكاثر هذه الحالات ليس هو كم يمضى مجرم وراء القضبان قبل أن يخرج بالعفو بعد تحرير تقرير حوله يشهد بحسن سيرته وسلوكه، وإنما كم أعطى لكي يخرج بالعفو.
عندما كتبنا على صفحات هذه الجريدة، قبل حوالي ثلاث سنوات، تحقيقا عنوانه «العفو الملكي في المزاد العلني»، استدعانا الوكيل العام للملك، العلوي البلغيثي، بأمر من وزير العدل الراحل محمد بوزوبع، وحرر لي ولزميلي لحسن والنيعام محضري استماع إلى أقوالنا، وبعد ذلك قررت
المزيد
أكتوبر 28th, 2009
كتبها Rachid NINI
نشر في , غير مصنف,
,
لأن عائدات الضريبة نزلت بحوالي 11.7 في المائة، فإن نور الدين بنسودة، مدير مديرية الضرائب، يبحث هذه الأيام بكل الطرق الممكنة عن استخلاص ضرائبه المنسية. وهكذا، سيرسل بنسودة رجاله قريبا إلى مراكز الرياضة واللياقة البدنية العالمية التي فتحت لها فروعا في المغرب. تلك المراكز التي حققت أرباحا كبيرة بفضل أثمانها المرتفعة، التي تصل في بعضها إلى عشرة آلاف درهم كانخراط سنوي بالإضافة إلى مبلغ شهري يتراوح ما بين 300 و500 درهم، دون الحديث عن أثمان الخدمات التي توفرها هذه المراكز لزبائنها من حمامات تركية وجاكوزي و«مانيكير» و«بيديكير» وجلسات تدليك بالشوكولا والحليب والعسل، إلى غيرها من «الماصاجات» الخيالية والباهظة. «واحد ما لقاش رابعة ديال الحليب باش يفطر وواحد كايمسد بيه عظامو». السنة الماضية دعاني أحد الأصدقاء إلى زيارة النادي الذي يتدرب و«يتحمم» و«يكسل» عظامه فيه، لأنه حصل على دعوات مجانية من النادي لدعوة أصدقائه من أجل التعرف على الخدمات الصحية التي يقدمها النادي إلى زبائنه. وعندما دخلت، اندهشت من أنواع «الماصاجات» التي يقترحها النادي. واندهشت أكثر من أثمنتها الباهظة. فبين «الحمام الملكي» و«الحمام الإمبراطوري» و«الحمام الأميري» وحمام «ألف ليلة وليلة»، بقيت حائرا. فطيلة حياتي السابقة، الحمام الوحيد الذي كنت أعرفه هو حمام «ولد الشلحة» في مدينتي الصغيرة حيث لم تكن «التحميمة» تكلف أكثر من درهمين ونصف و»الله يرحم الوالدين» للشخص الذي سيحك لك ظهرك بالكيس. وإذا كانت «الحركة مهورة» وتكرمت عليك الوالدة بخمسة دراهم أخرى زائدة فيمكنك أن «تتبرع» على نفسك بـ»تكسيلة» من أيدي «عمي الجيلالي» الذي كنا نسميه «زومبلا» بسبب عضلاته المفتولة، والذي «يطرطق» لك عظامك حتى آخر فقرة من فقرات «سلسولك». وهكذا، وبسبعة دراهم ونصف تخرج من الحمام «مزنك» الوجه منفرج الأسارير مرتخي العضلات.
هكذا إذن، يكون مدير الضرائب اكتشف، أخيرا، أن قطاع النوادي الرياضية وحماماتها البخارية وصالات تدليكها قطاع مدر للدخل يفلت من ضرائبه، مثلما اكتشف أن موظفي السفارات والقنصليات والهيئات الدبلوماسية الأجنبية لا يؤدون الضريبة على الدخل لخزينة الدولة. ولذلك بمجرد ما وصل السفراءَ والقناصلة َالأجانبَ خبرُ شروع مديرية الضرائب في اقتطاع الضريبة على الدخل من رواتب موظفيهم، أخبروا هؤلاء بأن الضريبة سيتم اقتطاعها للموظفين من رواتبهم ولن تدفعها عنهم وزارات خارجية الدول التي يشتغلون معها. ولذلك وضعه على رأس أولوياته للسنة الضريبية الجديدة. وليس قطاع القاعات الرياضية الخاصة وحماماتها ورواتب موظفي القنصليات والسفارات الأجنبية وحده من سيحظى باهتمام مديرية الضرائب، بل حتى قطاع الإعلام بقنواته التلفزيونية ومحطاته الإذاعية وجرائده ومجلاته وشركات إشهاره. فكل هذه المؤسسات ستتشرف بزيارة رجال بنسودة الذين سيراجعون معها حساباتها المالية للسنوات الماضية. بعض مدراء الشركات الإعلامية «شداتهم سريسرة» من الآن، لأنهم اكتشفوا أنهم ظلوا يخلطون حساباتهم المالية الشخصية مع حسابات شركاتهم الإعلامية. والبعض الآخر يطلب «التسليم» ويتمنى ألا يكون اسمه واسم شركته موجودا في لائحة «ضحايا» بنسودة، لأنه ببساطة يعطي الدروس في جريدته للشركات التي لا تؤدي واجبات الانخراط لصندوق الضمان الاجتماعي في الوقت الذي لا يستحيي فيه من اقتطاع واجبات الانخراط من مرتبات موظفيه دون دفعها لصندوق الضمان الاجتماعي.
ومن الصدف العجيبة أن اجتماع بنسودة بمفتشي ضرائبه حول استعدادات لزيارة المؤسسات الإعلامية وشركات التواصل والإشهار، تزامن مع اجتماع عقدته لجنة الدعم في وزارة الاتصال لوضع اللمسات الأخيرة على لائحة الجرائد والمجلات التي ستستفيد من دعم الوزارة المالي لهذه السنة.
شخصيا، كنت أعتبر دائما هذه الملايير التي تقسمها وزارة الاتصال على الجرائد والمجلات، التي تتوفر فيها شروط الحصول على الدعم، مجرد مضيعة للمال العام. ورغم أن اسم جريدتنا موجود ضمن لائحة الجرائد التي استكملت شروط الحصول على الدعم، فإن هذا لا يمنعنا من الجهر بهذه الحقيقة. هذا المال الذي توزعه وزارة الاتصال على الجرائد والمجلات لا يخدم مستقبل الصحافة في شيء. بل بالعكس، إنه مثل كل أشكال الدعم التي يحصل عليها السينمائيون والمغنون والمسرحيون، تزرع في أصحابها روح التكاسل والاتكال والكسل.
وبما أن الشيك الذي تعطيه وزارة الاتصال للجرائد المستفيدة من الدعم يكون في اسم مديري هذه الجرائد، فإنني أعرف مدراء جرائد بمجرد ما استلموا الشيك دفعوه في حساباتهم البنكية الخاصة، واشترى به أحدهم سيارة فاخرة، فيما دفع آخر م
المزيد