حل ببلادنا، منذ أيام، وفد بلجيكي حكومي ترأسه ولي عهد بلجيكا الأمير «فيليب» وعقيلته «ماتيلد»، يضم حوالي 350 رجل أعمال. كانت هناك نقطة واحدة ضمن أجندة أعمال الوفد البلجيكي، وهي توقيع شراكات مع المغرب في مجالات اقتصادية واجتماعية.
وقبل موعد وصول الوفد، تلقيت أكثر من مكالمة ورسالة إلكترونية من صحافية تشتغل في قناة RTBF البلجيكية، قالت إنها ستأتي إلى المغرب لتغطية زيارة الأمير والوفد البلجيكي، وستستغل فرصة تواجدها بالمغرب من أجل إنجاز تحقيق حول وضعية الصحافة التي قالت عنها إنها أصبحت متردية في الأيام الأخيرة. وقالت إنها مهتمة بإجراء مقابلة معي في مقر الجريدة بخصوص حكم السجن النافذ الذي صدر في حقي وحق زميلي، والذي بالمناسبة لازلنا ننتظر تأكيده أو إلغاءه من طرف المحكمة.
ما علاقة التغطية الإعلامية لزيارة وفد بلجيكي يقوده ولي العهد وزوجته، بإنجاز تحقيق عن وضعية الصحافة المغربية «المتردية»؟ العلاقة واضحة وبسيطة. الدول الأوربية التي تعرف جيدا كيف توظف الإعلام، تجعل منه سيفا ذا حدين وأداة للضغط السياسي من أجل إفساح الطريق أمام الآلة الاقتصادية لكي تشتغل بفعالية أكبر.
لكن النقاش الذي اندلع على نطاق واسع في بلجيكا، بتزامن مع زيارة ولي العهد البلجيكي للمغرب، لم يكن حول أوضاع الصحافة «المتردية» في المغرب، وإنما كان حول الطبيعة البروتوكولية للزيارة الرسمية لولي العهد والوزراء البلجيكيين الذين رافقوه.
فالمتعارف عليه بروتوكوليا في بلجيكا أن الزيارات الرسمية التي يقوم بها ولي العهد يترأسها وزير أول فيدرالي منتخب. والحال أن الوزير الأول البلجيكي تعذر عليه الحضور. وحتى لو حضر، فالوزير البلجيكي مثل سائر أعضاء الحكومة الآخرين، يشغلون مناصب وزارية مؤقتة، لأن الأزمة السياسية التي تعيشها بلجيكا منذ مدة لم تسمح بعد للبلجيكيين بتنصيب حكومة فيدرالية منتخبة. لذلك تتولى حكومة مؤقتة تسيير شؤون البلاد إلى حين إجراء الانتخابات.
المشكل الذي يطرح نفسه مع حكومة انتقالية بهذا الشكل هو أن كل ما تـُقدِم على توقيعه من اتفاقيات وشراكات مع حكومات بلدان أخرى لا يلزم الحكومة المنتخبة التي ستخرج من صناديق الاقتراع في شيء. وليس حضور ولي العهد وزوجته هو الذي سيعطي لهذه الاتفاقيات والشراكات طابع الإلزامية، فولي العهد في بلجيكا ليست له أية سلطات فعلية، ومشاركته في البعثات الأجنبية لا تتعدى الحضور الرمزي البروتوكولي. والقاعدة السياسية في بلجيكا تفرض على أعضاء الأسرة الملكية، أثناء تحركاتها الخارجية، وجود غطاء حكومي منتخب يمارس صلاحياته، وليس حكومة انتقالية ليست لها صلاحيات إلزام بروكسيل بأي اتفاقيات وشراكات.
النقاش المطروح اليوم في بلجيكا حول زيارة ولي العهد البلجيكي للمغرب نقاش سياسي محض. وهذه طبيعة وسائل الإعلام البلجيكية المنشغلة بالأزمة السياسية البلجيكية الداخلية منذ أشهر طويلة. فهذا بلد عجز عن انتخاب حكومة تسيره منذ أشهر بسبب «تردي» الوضع السياسي، ومع ذلك يجد إعلامه الجرأة للحديث عن الوضعية «المتردية» للصحافة في المغرب.
أما على المستوى الاقتصادي، فيبدو أن الجميع في بلجيكا «عاجبو الحال» بفضل زيارة ولي العهد البلجيكي للمغرب على رأس وفد رجال المال والأعمال. والسبب هو أن الزيارة ستكون في صالحهم، خصوصا في هذه الأزمنة الاقتصادية الصعبة التي يجتازها الاقتصاد البلجيكي.
البلاجكة لم يأتوا إلى المغرب بيدين فارغتين. «غادي تجي حشومة». لذلك جاؤوا حاملين معهم منحة مالية قدرها 80 مليار سنتيم. وحتى لا «نخسرها» دفعة واحدة، بسبب نزوعنا الكبير إلى التبذير، فقد قسمها لنا البلاجكة إلى «طريطات» على أربع سنوات بمعدل عشرين مليارا في السنة.
وبما أنه في العلاقات الدولية ليست هناك هدايا مجانية، فقد منحنا البلاجكة شيكا قدره 80 مليار سنتيم بيد ووقعوا باليد الأخرى شيكا مع المغاربة لصالحهم قدره 130 مليار سنتيم عبارة عن شراكات استثمارية في ميادين مختلفة.
وهكذا، وقعت شركة الأدوية البلجيكية «ميترا» مع الموزع المحلي للأدوية HCP عقدا بقيمة 300.000 أورو من أجل توزيع «كينات» منع الحمل في المغرب، و«لوالب» لعقد قرون المغربيات الراغبات في تجنب الحمل. ويبدو أن بلجيكا «طلع» لها «المروك فالراس» ووجدت أن الحل الوحيد لكي توقف هجرة المغاربة نحو بلجيكا هو إغراق السوق المحلية بحبوب منع الحمل و«عقد» قرون أرحام المغربيات حتى يتوقفن عن الولادة، وهذا ما يسمى في العلوم السياسية «حل المشكل من أصله».













