بمجرد ما تسرب إلى الصحافة خبرُ احتمال تعيين نجل الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي على رأس مقاطعة «لاديفونص»، أحد أكبر أحياء الأعمال في أوربا، تعالت أصوات كثيرة في الإعلام وداخل الأحزاب، بما فيها حزب الرئيس الفرنسي اليميني، تستنكر تحويل الجمهورية الفرنسية إلى جمهورية شبيهة بإحدى جمهوريات الموز حيث الرؤساء يعينون أبناءهم وأقاربهم في مناصب المسؤولية.
وبما أن فرنسا مشهورة بالتفاح، فقد سماها بعض الصحافيين الساخرين بجمهورية التفاح وليس الموز. فيما اكتشف بعض الشباب العاطلين طريقة جديدة للسخرية من رغبة ساركوزي في وضع ابنه على رأس حي الأعمال الباريسي الشهير، بإرسالهم طلبات عمل مع وضع اسم «جان ساركوزي»، ابن الرئيس، عليها مكان أسمائهم الحقيقية.
آخرون ذهبوا إلى حد اقتناء حبات الموز وألصقوا عليها راية فرنسا واجتمعوا أمام قوس حي الأعمال الشهير بمنطقة «لاديفونص»، ووضع كل واحد منهم حبة الموز في أذنه وشرع يتصل عبرها بقصر «الإليزيه» طالبا من الرئيس ساركوزي أمام عدسات المصورين منصب عمل في حي الأعمال الشهير.
المهم أن الصحافة الفرنسية صلبت الرئيس الفرنسي طيلة خمسة عشر يوما على صفحاتها الأولى، إلى الحد الذي جعل نجله يتخلى عن المنصب الذي عبد له والده الطريق إليه. ولكي يخرج من هذه الفضيحة بأقل الخسائر الممكنة، قال إنه لا يريد نصرا ملطخا بالشكوك.
والواقع أن الولد لم يتخل عن منصبه على رأس أغنى حي في أوربا لأنه لا يريد نصرا ملطخا بالشكوك، ولكن لأن نصره كان سيكون بمثابة هزيمة سياسية نكراء لوالده. فشعبية الرئيس الفرنسي توجد اليوم في الحضيض بسبب هذه الفضيحة وفضيحة مساندته المطلقة لوزير الثقافة «فريديريك ميتران» الذي اعترف في مذكراته بتعاطيه الجنس مع القاصرين في مواخير «بانكوك» (أنظر كتاب الأسبوع الصفحة 6)، هذا الأخير الذي يساند بدوره مساندة مطلقة المخرج البولوني «رومان بولانسكي» المعتقل في سويسرا، بطلب من العدالة الأمريكية، بسبب اغتصابه لقاصر قبل ثلاثين سنة.
الدرس الذي نستخلصه من هذه القضية هو أن الصحافة والرأي العام في فرنسا لازالت لديهما كلمتهما المسموعة. فالصحافة توجه الرأي العام، والرأي العام يؤثر على صانع القرار السياسي إلى الحد الذي يجعله يتراجع عن قراراته. ليس حبا في الرأي العام وإنما حبا في أصواته التي يمكن أن يحرمه منها خلال الانتخابات. فساركوزي عندما ساند وزيره الشاذ، قال: «باي باي» لأصوات اليمينيين المتطرفين الذين جلبهم إلى حزبه من صفوف «جون ماري لوبين». وهو عندما ساند «بولانسكي»، المتابع بجريمة اغتصاب قاصر في أمريكا، جلب عليه نقمة المسيحيين المحافظين الذين يشكلون غالبية المنتمين إلى حزبه. وبمحاولته تنصيب ابنه على رأس حي «لاديفونص»، يكون قد ارتكب الخطأ القاتل الذي يمكن أن يعصف به خارج قصر «الإليزيه»، لذلك تراجع في آخر لحظة وعاد إلى صوابه.
عندنا في المغرب، بحت حناجر الصحافيين وهم يصرخون كل يوم منددين بتحويل جزء من حكومة عباس الفاسي إلى حكومة عائلية، يمكن أن تجد فيها الأصهار والأعمام والأخوال. وفي كل مرة يصدر فيها مقال أو تحقيق حول «الحكومة الفاسية الفهرية»، نكتشف تنصيب اسم جديد من هذه العائلة على رأس مؤسسة عمومية أو حكومية. وإلى حدود اليوم، نرى كيف يسيطر آل الفاسي الفهري على أغلب مناحي الحياة اليومية للمغاربة، فهم في الماء والكهرباء والكرة والصحة والخارجية وجزء من الداخلية والشؤون العامة للحكومة والوزارة الأولى والطرق السيارة. والكارثة أن بعض هؤلاء الوزراء عندما ينجحون في الحصول على حقيبة وزارية يصنعون المستحيل لتمكين أبنائهم وأحفادهم من مناصب المسؤولية في قطاعات قريبة منهم.
وهكذا، رأينا كيف بدأ الجيل الثالث من «آل الفاسي الفهري» يعلن عن نفسه بشكل لافت للانتباه. ورأينا كيف أن أحد أبناء عباس الفاسي يحصل على منصب في قناة عمومية، وابنا ثانيا ينجح في مقاطعة في الدار البيضاء. ورأينا كيف أن ابن وزير الخارجية الطيب الفاسي الفهري يوضع على رأس معهد للدراسات والتفكير ويتصرف في ميزانية بمئات الملايين، ويستفيد من علاقات والده الدبلوماسية في استدعاء الأسماء العالمية المرموقة لحضور ندواته ومؤتمراته. ثم رأينا كيف وظف وزير الشبيبة والرياضة قبل أسابيع لينا الفاسي الفهري، أخت وزير الخارجية، في منصب رئيسة الموارد البشرية بالوزارة.
ونحن هنا لا نتحدث سوى عن التعيينات التي يستفيد منها «آل الفاسي الفهري» في الحكومة والمؤسسات العمومية، لأننا إذا أردنا أن نتحدث عن المؤسسات الخاصة كالبنوك والمؤسسات المالية، فإنا سنحتاج إلى أعداد كاملة من هذ
























